اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
459
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
لأغراض سياسية ولو أنه تعوزنا الوقائع لإثبات ذلك . وبعض هذه السفارات تردد صداه في الأدب خلال قرون متتالية حتى القرن التاسع عشر فعرف بهذا نمط الرحلة انتعاشا كبيرا وظهر إلى جانب وصف الحج ضرب جديد من الرحلة إلى عاصمة « سلطان الأرضين وخاقان البحرين » . ومن المؤلفات المعروفة لنا من هذا الضرب الأخير مصنف التمجروتى الذي يرجع إلى نهاية القرن السادس عشر ويحمل عنوانا طنانا هو « النفحة المسكية في السفارة التركية » . ومعلوماتنا عن المؤلف نزرة 152 فقد ولد أبو الحسن علي بن محمد التمجروتى « * » حوالي عام 967 ه - 1560 153 بقرية نمجروت الصغيرة من أعمال وادى درعه بجنوبى مراكش 154 ونال حظه من التعليم المعهود لذلك العصر ثم التحق على ما يبدو كاتبا ببلاد الشريف أحمد المنصور السعدي ( 986 ه - 1012 ه - 1578 - 1603 ) بفاس . ونظرا لأن الشريف اعتلى العرش بمعاونة الأتراك فقد دخل في مغامرات دبلوماسية واسعة النطاق حاول أن يقحم فيها بعض دول أوروبا الغربية ؛ وهو وإن لم يخضع خضوعا رسميا للأتراك إلا أنه ارتبط معهم بعلاقات وثيقة حتى اتخذت السفارات بين الجانبين صورة منتظمة . وإحدى تلك السفارات بعث بها المنصور في عام 998 ه - - - 1000 ه - 1589 - 1591 إلى السلطان مراد الثالث ( 982 ه - 1003 ه - 1574 - 1595 ) ، وكان على رأسها التمجروتى 155 الذي ضم إليه الشريف أحد كتاب الدولة وهو الشاعر الفشتالى ( توفى في عام 1021 ه - 1612 ) 156 الذي كثيرا ما نوه به التمجروتى في وصف رحلته هذه بضروب الاستحسان والتمجيد لتفوقه في فنون الأدب . واختيار التمجروتى لرئاسة هذه السفارة لم يحدث اعتباطا فقد ذهب أخوه من قبله إلى استنبول 157 في مهمة مماثلة على ما يبدو . والكتاب لا يزال معروفا إلى الآن في ترجمته الفرنسية التي عملها على أساس مخطوطة واحدة 158 هنرى دى كاسترى Henri de Castries وظهرت عقب وفاته التي حدثت في عام 1927 ؛ وكان على معرفة جيدة بهذا العصر وهذه الموضوعات . ويجب القول بصراحة أن رأيه عن المؤلف يتسم بالتعسف الشديد فهو يقول « فالرحلة في مجموعها ليست سوى سرقة على نطاق واسع مع إضافة مئات من الأبيات الشعرية لا يربطها في أغلب الأحيان أي رباط بمحتويات الكتاب » 159 « وهو لا يجهد في التعريف بخط سير الرحلة بقدر ما يحاول إظهار علمه ومعرفته » 160 . وجميع هذه العيوب والمناقص التي يشير إليها دى كاسترى موجودة بالطبع لدى التمجروتى كما وجدت لدى غيره من أدباء « الرحلة » في عصر التدهور ؛ غير أنه لا يمكن موافقته في أن قيمة الرحلة إنما تقتصر على هذا وحده . وتشير قرائن الأحوال إلى أن ثمة تقريرا كان من المفروض أن يرفعه المؤلف إلى الشريف عن هذه الرحلة 161 ، لهذا فلا مناص من أن تجد قصائد المديح مكانا لها في وصف الرحلة وهو يعبر في هذه القصائد عن شكره وامتنانه لولى نعمته
--> ( * ) النسبة إلى تمجروت وهي مقر الزاوية الناصرية في جنوبي المغرب قرب وادى درعه ؛ والاسم بربرى والتاء فيه مزيدة لذا فإن النسبة إليها تمجروتى ومجروتى ( المترجم )